محمد باقر الملكي الميانجي
230
مناهج البيان في تفسير القرآن
وفاكهة الشتاء في الصيف . واللّه لم يقل ذلك ولا قاله رسول ( ص ) ولا هو ممّا يعرف بالرأي ، ولم يثبته تاريخ يعتدّ به . والروايات عن مفسّري السلف متعارضة . وفي أسانيدها ما فيها . وممّا قال ابن جرير في ذلك : أنّ بني إسرائيل أصابتهم أزمة حتّى ضعف زكريّا عن حملها ، وأنّهم اقترعوا على حملها فخرج السهم على نجّار منهم ، فكان يأتيها كلّ يوم من كسبه بما يصلحها ، فينميه اللّه ويكثره ، فيدخل عليها زكريّا فيجد عندها فضلا من الرزق ، فإذا وجد ذلك « قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا » أي من أين لك هذا ؛ والأيام أيّام قحط ؟ . . . وأنت ترى أنّه لا دليل في الآية على أنّ الرزق كان من خوارق العادات . . . فعلينا أن لا نخرج عن سنّته ، ولا نضيف إليه حكايات إسرائيليّة أو غير إسرائيليّة ؛ لجعل هذه القصّة من خوارق العادات . أقول : قد أخرج الآية عن سياقها وظاهرها ، فإنّ الآية في سياق إثبات حنانه - تعالى - وكرامته على مريم الطاهرة ، من إعطائها الرزق غير العادي ، واعتنى بنقل خرافة ابن جرير في تفسير الآية بإثبات القحط ، وعزل زكريّا عن كفالة مريم خلافا لظاهر إطلاق الآية ، وإثبات نجّار كفيلا لمريم ، الّتي تنازع الأحبار والعبّاد في كفالتها بإصابة القرعة له ؛ والحال أنّ اللّه اختصّ زكريّا بهذه الموهبة بإصابة القرعة ، وإثبات أنّ اللّه ينمي ويكثر ما يأتيه نجّار . أليس إثبات البركة لرزق نجّار من خوارق العادات ؟ أليس ما حكاه ابن جرير قصّة خرافيّة لا منشأ لها من الكتاب والسنّة والتاريخ المعتبر ؟ وكيف كان ، فقد جعل اللّه زكريّا كفيلا لها في أوان احتياجها له ، ولمّا شاهد منها الكرامة ، وشاهد استمرار تلك الكرامة تعجّب منها فسأل مريم عنها وصارت ذكرى وتذكرة له أنّ اللّه - سبحانه - يحقّق آمال السائلين . قوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » . ( 37 ) قد تقدم تفسيرها في قوله تعالى : « وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » . [ آل عمران ( 3 ) / 27 ] قوله تعالى : « هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ » . لا خفاء عند أولي الألباب أنّ من طرق المعرفة باللّه ، وبنعوت ذاته وكمالاته هو التدبّر في آياته والتفكّر في علاماته ، بل هو من أشرف الطرق وأسدّها المأمور